الثقافات في اندونيسيا

قرية العرب في سورابايا

ماذا تعرف عن الشعب الإندونيسي ذوي الأصول عربية في سورابايا

تعد هجرة الحضارم الى ارخبيل الملايو من اقدم الهجرات التي انطلقت من جنوب الجزيرة العربية ، وقد وصف الحضرمي بأنه حليف الاسفار ، فالحضارمة منذ اقدم العصور ركبوا الصعاب والاخطار نحو مهاجر بعيدة المدى وشكلت هجراتهم نسيجا خاصا لها خصوصياتها ، وذكرت كثير من المصادر ان وصول العرب الحضارمة الى إندونيسيا قبل ظهور الاسلام وبعد ظهوره وقد وصلت علاقة الحضارمة التجارية بالارخبيل الاندونيسي ذروتها أيام الحكم العباسي بين القرنين الثامن والثالث عشر الميلادي .

ولهذا يفسر الباحثون علاقة الحضارمة بجزر الملايو بأنها علاقة قديمة جدا ، وهي علاقات تجارية على حد كبير، ثم توسعت هذه العلاقة وخطت من علاقات محصورة على التجارة الى نحو بعد آخر تمركز على الاستقرار في جزر ارخبيل الملايو وعلى نشر الاسلام وكانتحرك الحضارمة على محورين رئيسيين هما :

– نشر الدين الاسلامي ورسالة الاسلام السمحاء بين تلك الشعوب وفي تلك الاصقاع النائية .

– التجارة والبحث عن آفاق جديدة للرزق كتعويض يواز شحة مصادر الرزق ومواجهة الجذب في حضرموت .

ومن الثابت ان افواج الهجرة الجماعية من حضرموت بدأت على يد السادة العلويين ثم شملت باقي الطبقات في المجتمع الحضرمي . ذلك أن السادة العلويين كانت لهم في سيرة جدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة ، وقد استوعبوا في تاريخهم مدلولات الهجرة ودروسها المستفادة ، لقد كانت لهم ولغيرهم في هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم دروسا مستفادة وعظات معتبرة استوعب الحضارمة معانيها ، وتفهموا مقاصدها في كل زمان ومكان. فكما كان المؤمنون الأوائل يفر احدهم بدينه الى الله تعالى والى رسوله صلى الله عليه وسلم مخافة الفتنة في دينه، فر الحضارمة من الفتن والتناحر الذي كان يدور بين العشائر القبلية المتناحرة على السلطة في حضرموت ، وكما ان الدرس الذي لم يضيق فيه الرسول صلى الله عليه وسلم مفهوم الهجرة ومقاصدها، بل وسع فيها وقرن مآلها بنية صاحبها ، اذ يقول صلى الله عليه وسلم (( انما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته الى ما هاجر اليه )) فإن الحضارمة اتخذوا من هذا الدرس منهاجا نبويا لهم اقتفوا على أثره . فكانت هجرة الحضارمة الى جزر ارخبيل الملايو لنشر الدين الاسلامي ودنيا يصيبون منها شيئا.

لا شك ان هجرة الحضارمة جاءت من حاجتهم الى النهل من دروس هذه الهجرة النبوية والتي تمثلت مقاصدها في هجراتهم شرقا وغربا، بإقامة الدين وتوطين الإسلام في مهاجرهم بالدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة . ولاغرابة ان تكون الدعوة الحسنة التي سلكها الحضارم وكانت منهجهم الدعووي قد اوجدت على خريطة العالم الاسلامي اكبر دولة اسلامية اسمها (( إندونيسيا ))

ودروس الهجرة النبوية دائما متجددة ، والهجرة قد تكون في سبيل الحق او من اجل الرزق، فكلاهما يهدف الى عدم الاستكانة والاستضعاف في الارض بحجج واهية. فالسياحة في الارض بحثا عن الحق، او طلبا للرزق من هذه الدروس المستفادة للهجرة (( الم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها )) .

وقد وصف الباحث الهولندي (( فان دين برخ )) الاماكن التي كانت يسكن فيها الحضارم في العاصمة باتافيا فقال (( كان الحضارمة يسكنون في اطراف (( باتافيا )) وكانت مساكن الاغلبية منهم مثل الإندونيسيين بينما الاغنياء لهم فيلات مثل الأوربيين وكان الحضارمة موجودين في من كل مناطق حضرموت وليس من منطقة واحدة فيها ، ومن كل طبقات المجتمع الحضرمي ولكن طبقة السادة كانوا أقلية في باتافيا فقد لوحظ أن السادة العلويين كانوا يفضلون التوغل في المناطق الإندونيسية من الارياف والقرى لعدة اسباب منها:

اولا : نشر الدين الاسلامي وتعريف الناس بتعاليم الدين الصحيحة

ثانيا : كانوا يلقون الاجلال والاحترام والتقدير من سكان القرى اكثر من المدن باعتبارهم من نسل الرسول صلى الله عليه وسلم بالاضافة الى وجود الاضرحة في هذه المناطق والتي يتدفق الناس اليها للزيارة بعكس المدن التي يكون فيها الناس مشفولين بأعمال أخرى

ثالثا الابتعاد عن مضاياقات السلطات الهولندية التي كانت تعد السادة العلويين خطرا عليها بسبب سرعة تأثر الوطنيين بهم والانصياع لكلامهم .

وفي احصائية قامت بها الرابطة العلوية في باتافيا سنة 1939م بلغ عدد السادة العلويين في باتافيا 2255 فردا ينتمون الى 44 أسرة حضرمية .

ولم يتوقف نشاط الحضارم في جزر ارخبيل جاوه على نشر الاسلام ومهمتهم للدعوة لدين الله ولكن مقصد الهجرة وسببها الثاني هو البحث عن مصادر الرزق والتجارة ، يقول الباحث الاندونيسي ستيواتي )) (( ان للحضارمة فضل كبير في تطور إندونيسيا وقد كان تمركز هجرات الحضارمة الى جزيرة جاوه في ستة مناطق رئيسية وهي باتافيا ( جاكرتا ) و شيربون وتقل وبكلونان وسمارانغ وسوربايا ))

اختلفت الآراء والبحوث والدراسات التي تناولت هجرة الحضارم الى جزر الملايو حول تحديد بداية الهجرة الحضرمية الى شرق آسيا وخصوصا الى إندونيسيا ، ومن المسلم به ان بداية اية هجرة قديمة يصعب تحديد تاريخ لها باعتبارها انها تأتي نتيجة حراك ديمغرافي لأقوام قررت ان تترك وطنها الاصلي الى اماكن اخرى للعيش فيها او الفرار نحوها نتيجة اضطهاد طبقي او سياسي او ظروف مناخية سيئة او مجاعات حصدتهم حصدا .

لهذا لم يستطع الباحثون الذين رصدوا الهجرة الحضرمية تحديد ملامح هذه الهجرة بشكل توثيقي الا في القرن الثامن عشر الميلادي . ذلك ان الحضارمة كانوا ولازالوا أبعد الناس عن توثيق تاريخ هجراتهم الى الشرق الاسيوي او الى الشرق الافريقي .

قرأت كتابا عنوانه (( أولياء الشرق البعيد اساطير مجهولة في آفاق المعمورة )) للدكتور بشار الجعفري سفير سوريا الدائم في الأمم المتحدة ، والكتاب عباره عن رواية تاريخية حول كيفية انتشار الإسلام في أرخبيل الملايو وذكر الكاتب بان الإسلام انتشر في أرخبيل جزر الملايو عام 838 ميلادي عام 218 هجري . وذلك في عهد الخليفة العباسي (( المقتدر بالله )) .

(( في العام 218هـ/838م قرر الإمام أحمد بن عيسى الملقب بالمهاجر مغادرة البصرة في عهد المقتدر بالله العباسي، بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية في المدينة بفعل ثورة القرامطة، وأحمد هو ابن عيسى الرومي ابن محمد النقيب ابن علي العريضي ابن جعفر الصادق ابن محمد الباقر ابن علي زين العابدين ابن الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد توجه أحمد بن عيسى إلى حضرموت عن طريق الشام واستقر هناك في قرية صغيرة تدعى الهجرين، ويشاء القدر أن يهاجر احد أحفاد أحمد بن عيسى ويدعى عبد الملك بن علوي من حضرموت إلى كوجرات بالهند، حيث استطاع أن يقيم علاقة قوية مع سلطان حيدر أباد، ناصر الدين الذي قرب عبد الملك منه وجعله من خلصائه بعدما عرف بنسبه الشريف المتصل بأهل البيت، وخلع عليه لقب الأمير، وخلف الأمير عبد الله أباه عبد الملك بعد وفاته في نقابة الطالبيين في الهند، كما تزوج من ابنة سلطان مدينة «نصر أباد» عظمت خان وصار لقبه منذ ذلك الوقت الإمام عبد الله آل عظمت خان، وبعد وفاة عبد الله تسلم ابنه احمد رئاسة النقابة وتغير في عهده لقب رئيس الطالبيين من الأمام إلى السيد.

ويكرر القدر مشيئته بأن يهاجر الابن الأصغر للسيد أحمد وهو جمال الدين الحسيني من الهند إلى جزيرة جاوا الإندونيسية مروًرا بجمقا (كمبوديا) والفلبين، حيث استقر فيها مع أولاده إبراهيم أسمارا وعلي نور العلم وبركات، وانخرطوا في الحياة الفكرية والسياسية لهذه الجزيرة البعيدة التي تحكمها إمبراطورية هندوسية مرهوبة الجانب تدعى بإمبراطورية ( ماجاباهيت ) .

ويبدو أن إقامة جمال الدين الحسيني وأولاده في كمبوديا قد ساعدتهم على الاستقرار في جاوا من حيث لا يحتسبون، إذ شاءت الأقدار أن يتزوج إبراهيم أسمارا، عندما كان في كمبوديا، من أميرة اسمها جندا وولان من عائلة الإمبراطور الكمبودي الهندوسي جايا فارمان السابع ورزق منها بولدين هما علي واسحق، والأميرة جندا وولان هي شقيقة زوجة كيرتا ناغارا إمبراطور البلاد الجاوية الجديدة التي تدين بالهندوسية أيضا، وساهمت صلة القرابة هذه في فتح الأبواب أمام القادمين العرب الجدد الذين شرعوا بحرية كاملة في الدعوة إلى الإسلام في جزيرة جاوا )) .

لقد كان في افتتاح قناة السويس سنة 1869م تأثيرا واضحا على النشاط التجاري البحري في البحر الاحمر والمحيط الهندي وصولا الى ارخبيل جزر الهند الشرقية (( جاوه )) وهذا النشاط الملاحي ساهم في انتعاش التجارة بين الموانئ الواقعة على البحر الاحمر والمحيط الهندي وجزر ارخبيل الملايو ، مما اسهم بشكل ملحوظ في توسع الحراك المهجري للحضارمة بين تلك الموانئ فوصلت الهجرة الحضرمية الى ارخبيل الملايو ذروتها وزاد عدد المهاجرين بشكل ملحوظ خاصة بعد ظهور سلطنات العشائر الحضرمية المتناحرة على الحكم واضطراب الامن في حضرموت ومواجهة حضرموت لموجات الجفاف والمجاعات التي كانت تضرب حضرموت حين بعد حين .

(( ومع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ازدادت الهجرة من حضرموت الى الهند وإندونيسيا وماليزيا وشرق افريقيا حتى اصبحت الهجرة وكأنها صناعة وطنية لأنها تجعل 35% من سكان حضرموت اما مهاجرا او عائدا من الهجرة )).

وحتى نضع قارئ سقيفة الشبامي في الصورة حول معرفة الطرق التي كان يسلكها الحضارمة في هجرتهم من نقطة الانطلاق حتى الوصول الى جزر الهند الشرقية (( الملايو )) نستعرض وصفا كتبه الباحث الهولندي (( فان دن برخ )) وجاء ضمن تقرير كتبه عن الحضارمة عام 1886م ورفعه للحاكم الهولندي بجاوه يقول ضمن تقريره (( السفر من حضرموت الى اندزنيسيا يحتاج الى عدة شهور وكانت رحلتهم (( الحضار )) تبدأ من المكلا أو الشحر ثم الى بومباي ومن بومباي الى سيلان ومن ثم الى أتشيه او سنغفروه وكل ذلك بواسطة النقل البحري وهذه طريق الاغلبية اما الاثرياء فيركبون السفن البخارية من عدن الى سنغفورة مباشرة على السفن الاوربية ومنها سفن شركة مساجيرز ماريتيمز وهؤلاء الاغنياء يتحدثون عن سفرهم الذي يستمتعون فيه بشكل كبير وهم يسافرون على الدرجة الاولى او الثانية ))